كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

الموسـوعـة القــرآنية
تفسير القـرآن الكريــم
جامع الحديث الشريف
خـــزانــــــــة الكـــتــب
كـــتــــب مــخـــتــــارة
الـكـتـاب الــمسـمــــوع
الفـهــرس الشــــــامـل
الــــرســـائل العـلــمية
الـــــدروس والخــطـب
أرشـــيف الـفتــــــــوى
رمـــضـــــانـــيـــــــات
روائــــــــع مختـــــارة
مجلـة نـــداء الإيمــان
هدايا الموقع
روابط مهمة
خدمات الموقع
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالوا سَلَامًا قال سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25)}.
قوله: {إِذْ دَخَلُواْ}: في العاملِ في {إذ} أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه حديث أي: هل أتاك حديثهم الواقعُ في وقت دخولِهم عليه. الثاني: أنه منصوبٌ بما في {ضَيْف} من معنى الفعل؛ لأنه في الأصلِ مصدرٌ، ولذلك استوى فيه الواحدُ المذكرُ وغيره، كأنه قيل: الذي أضافهم في وقتِ دخولِهم عليه. الثالث: أنَّه منصوبٌ ب {المُكْرَمين} إنْ أريد بإِكرامهِم أنَّ إبراهيمَ أكرمَهم بخدمتِه لهم. الرابع: أنه منصوبٌ بإضمارِ اذْكُر، ولا يجوزُ نصبُه ب {أتاك} لاختلافِ الزمانَيْن.
وقرأ العامَّةُ {المُكْرَمين} بتخفيفِ الراءِ مِنْ أكرم. وعكرمة بالتشديد.
قوله: {سَلاَمًا قال سَلاَمٌ}: قد تقدَّم تحريرُ هذا في هود. وقال ابن عطية: ويتجهُ أن يعملَ في {سَلامًا} قالوا على أَنْ يُجعل سلامًا في معنى قولا، ويكون المعنى حينئذٍ: أنهم قالوا تحية وقولا معناه سلامًا. وهذا قول مجاهد. قلت: ولو جُعِل التقدير أنَّهم قالوا هذا اللفظَ بعينِه لكان أَوْلى، وتفسيرُ هذا اللفظِ هو التحيةُ المعهودةُ. وتقدَّم أيضًا خلافُ القراء في {سلامًا} بالنسبة إلى فتحِ سِينه وكسرِها وإلى سكونِ لامِه وفتحِها.
والعامَّةُ على نصب {سلامًا} الأول ورفع الثاني، وقرئا مرفوعَيْن، وقُرىء {سَلامًا} قال: {سِلْمًا} بكسرِ سينِ الثاني ونصبِه، ولا يَخْفَى توجيهُ ذلك كلِّه مِمَّا تقدَّمَ في هود.
قوله: {قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} خبرُ مبتدأ مضمرٍ فقدَّروه: أنتم قومٌ، ولم يَسْتحسِنْه بعضُهم؛ لأنَّ فيه عَدَمَ أُنْسٍ فمثلُه لا يقعُ من إبراهيم عليه السلام، فالأَوْلَى أَنْ يُقَدَّر: هؤلاء قومٌ أو هم قومٌ، وتكون مقالتُه هذه مع أهلِ بيتِه وخاصَّتِه لا لنفسِ الضيفِ؛ لأنَّ ذلك يُوْحِشُهم.
{فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26)}.
وقوله: {فَجَاءَ}: عطفٌ على {فراغَ}، وتَسَبُّبُه عنه واضحٌ. والهمزةُ في {ألا تأكلون} للإِنكار عليهم في عَدَمِ أكلِهم، أو للعَرْضِ أو للتحضيضِ.
{فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29)}.
قوله: {فِي صَرَّةٍ}: يجوزُ أَنْ يكونَ حالًا من الفاعل أي: كائنةً في صَرَّة. والصَّرَّة قيل: الصيحة. قال امرؤ القيس:
فَأَلْحَقَنا بالهادياتِ ودونَه ** جَواحِرُها في صَرَّةٍ لم تَزَيَّلِ

قال الزمخشري: مِنْ صَرَّ الجُنْدُبُ والبابُ والقلمُ. ومحلُّه النصبُ على الحالِ أي: فجاءَتْ صارَّةً، ويجوزُ أَنْ يكونَ متعلقًا ب (أَقْبَلَتْ) أي: أقبلَتْ في جماعةِ نسوةٍ كُنَّ معها. والصَّرَّةُ: الجماعةُ من النساء.
قوله: {فَصَكَّتْ} أي: لَطَمَتْ: واخْتُلف فيه، فقيل: هو الضَّرْبُ باليد مبسوطةً. وقيل: بل ضَرْبُ الوجهِ بأطرافِ الأصابعِ فِعْلَ المتعجِّبِ، وهي عادةُ النساءِ.
قوله: {عجوزٌ}: خبرٌ مبتدأ مضمرٍ أي: أنا عجوزٌ عقيمٌ فكيف أَلِدُ؟ تفسِّرها الآيةُ الأخرى.
{قالوا كَذَلِكِ قال رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)}.
قوله: {كَذَلِكَ}: منصوبٌ على المصدرِ ب (قال) الثانية أي: مثلَ ذلك القول الذي أخبرناك به قال ربُّك أي: إنه من جهةِ اللَّهِ فلا تَتَعجَّبي منه.
{مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)}.
قوله: {مُّسَوَّمَةً}: فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه منصوبٌ على النعتِ لحجارة. والثاني: أنَّه حالٌ من الضمير المستكنِّ في الجارِّ قبله. الثالث: أنه حالٌ مِنْ {حجارة} وحَسَّن ذلك كونُ النكرةِ وُصِفَتْ بالجارِّ بعدها.
قوله: {عِندَ رَبِّكَ} ظرفٌ ل {مُسَوَّمةً} أي: مُعْلَمَةً عنده.
{وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)}.
قوله: {فِيهَآ آيَةً}: يجوز أن يعود الضمير على القرية أي: تَرَكْنا في القرية علامةً كالحجارةِ أو الماء المُنْتِنِ، ويجوزُ أَنْ يعودَ على الإِهلاكةِ المفهومةِ من السِّياق.
{وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)}.
قوله: {وَفِي موسى}: فيه أوجهٌ، أحدُها: وهو الظاهر أنه عطفٌ على قوله: فيها بإعادةِ الجارِّ؛ لأن المعطوفَ عليه ضميرٌ مجرورٌ فيتعلَّقُ ب {تَرَكْنا} من حيث المعنى، ويكونُ التقديرُ: وتَرَكْنا في قصةِ موسى آيةً. هذا معنىً واضحٌ. والثاني: أنه معطوفٌ على قوله: {وَفِي الأرض آيَاتٌ} [الذاريات: 20] أي: وفي الأرضِ وفي موسى آياتٌ للموقِنين، قاله الزمخشري وابنُ عطية. قال الشيخُ: وهذا بعيدٌ جدًا يُنَزَّه القرآن عن مثلِه.
قلت: ووجهُ استبعادِه له: بُعْدُ ما بينهما، وقد فعل أهلُ العلمِ هذا في أكثرَ من ذلك. الثالث: أنه متعلقٌ ب {جَعَلْنا} مقدرةً لدلالةِ {وتَرَكْنا}. قال الزمخشري: أو على قوله يعني أو يُعْطَفُ على قول: {وترَكْنا فيها آيةً} على معنى: وجَعَلْنا في موسى آيةً كقوله:
فَعَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا

قال الشيخ: ولا حاجةَ إلى إضمار {وجَعَلْنا} لأنه قد أمكن أَنْ يكونَ العامل في المجرور {وتَرَكْنا}.
قلت: والزمخشريُّ إنما أراد الوجهَ الأولَ بدليلِ قوله: وفي موسى معطوفٌ على {وفي الأرض} أو على قوله: {وتركْنا فيها}.
وإنما قال: على معنى من جهةِ تفسيرِ المعنى لا الإِعراب، وإنما أظهر الفعلَ تنبيهًا على مغايرة الفعلَيْن. يعني: أن هذا التركَ غيرُ ذاك التركِ، ولذلك أبرزَه بمادةِ الجَعْلِ دون مادة التركِ لتظهرَ المخالفةُ.
قوله: {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ} يجوز في هذا الظرفِ ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أَنْ يكونَ منصوبًا بآية على الوجهِ الأول أي: تركنا في قصة موسى علامةً في وقتِ إرْسالِنا إياه. والثاني: أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنَّه نعتٌ لآية أي: آيةً كائنةً في وقتِ إرْسالِنا. الثالث: أنه منصوبٌ ب {تَرَكْنا}.
قوله: {بِسُلْطَانٍ} يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفس الإِرسال، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ: إمَّا مِنْ موسى، وإمَّا مِنْ ضميرِه أي: ملتبسًا بسلطان، وهي الحُجَّةُ.
{فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقال سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39)}.
قوله: {بِرُكْنِهِ}: حالٌ من فاعل {تَوَلَّى}.
قوله: {سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} {أو} هنا على بابِها من الإِبهام على السامعِ أو للشكِّ، نَزَّل نفسَه مع أنَّه يَعْرِفُه نبيًا حقًا منزلةَ الشَّاكِّ في أمرِه تَمْويهًا على قومِه. وقال أبو عبيدة: أو بمعنى الواو. قال: لأنه قد قالهما، قال تعالى: {إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 109]. وقال في موضع آخرَ: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27]. وتجيْءُ {أو} بمعنى الواو كقوله:
أثَعْلَبَةَ الفوارِسَ أو رِياحا ** عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا

وردَّ الناسُ عليه هذا وقالوا: لا ضرورةَ تَدْعُو إلى ذلك، وأمَّا الآيتان فلا تَدُلاَّن على أنَّه قالهما معًا، وإنما تفيدان أنه قالهما أعَمَّ مِنْ أَنْ يكونا معًا، وهذه في وقت وهذه في آخرَ.
{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)}.
قوله: {وَجُنُودَهُ}: يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفًا على مفعول {أَخَذْناه} وهو الظاهرُ، وأَنْ يكونَ مفعولًا معه.
قوله: {وَهُوَ مُلِيمٌ} جملةٌ حاليةٌ، فإن كانت حالًا من مفعول {نَبَذْناهم} فالواوُ لازمةٌ إذ ليسَ فيها ذِكْرٌ يعودُ على صاحب الحال، وإن كانت حالًا من مفعول {أَخَذْناه} فالواوُ ليسَتْ واجبةٍ؛ إذ في الجملة ذِكْرٌ يعودُ عليه. وقد يُقال: إنَّ الضمير في {نَبَذْناهم} يعود على فرعون وعلى جنودِه، فصار في الحال ذِكْرٌ يعودُ على بعض ما شَمَلَه الضميرُ الأول. وفيه نظرٌ؛ إذ يصيرُ نظيرَ قولك: جاء السلطانُ وجنوده فأكرمتُهم راكبًا فرسَه فتجعل راكبًا حالًا من بعضِ ما اشتمل عليه ضميرُ أكرمتُهم.
{وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41)}.
قوله: {وَفِي عَادٍ وَفِي ثَمُودَ وَفِي موسى}: تقدَّم مثلُه.
{مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)}.
قوله: {إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم}: هذه الجملةُ في موضع المفعول الثاني ل {تَذَرُ} كأنه قيل: ما تَتْرك من شيءٍ إلاَّ مجعولًا نحو: ما تركتُ زيدًا إلاَّ عالمًا. وأعرَبها الشيخُ حالًا وليس بظاهرٍ.
{فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44)}.
قوله: {الصاعقة}: هذه قراءة العامَّةِ. وقرأ الكسائي {الصَّعْقَة}، والحسن {الصاِعقة}. وتقدَّم ذِكْرُ هذا كلِّه في البقرة.
قوله: {وَهُمْ يَنظُرُونَ} جملةٌ حاليةٌ من المفعول. و{ينظرون} قيل: من النظر. وقيل: من الانتظار أي: ينتظرون ما وُعِدوه من العذاب.
{وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)}.
قوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ}: قرأ الأخَوان وأبو عمرو بجرِّ الميم، والباقون بنصبها. وأبو السَّمَّال وابن مقسم وأبو عمرو في روايةِ الأصمعيِّ {وقومُ} بالرفع. فأمَّا الخفضُ ففيه أربعةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنه معطوفٌ على {وفي الأرض}.
الثاني: أنه معطوفٌ على {وفي موسى}.
الثالث: أنه معطوفٌ على {وفي عاد}.
الرابع: أنه معطوفٌ على {وفي ثمودَ}، وهذا هو الظاهرُ لقُرْبِه وبُعْدِ غيرِه. ولم يذكرْ الزمخشريُّ غيرَه فإنه قال: وقُرِىء بالجرِّ على معنى وفي قوم نوح.
ويُقَوِّيه قراءة عبد الله {وفي قوم نوح}. ولم يَذْكُرْ أبو البقاء غيرَ الوجهِ الأخيرِ لظهورِه.
وأمّا النصبُ ففيه ستةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ أي: وأهلَكْنا قومَ نوح؛ لأنَّ ما قبلَه يَدُلُّ عليه. الثاني: أنه منصوبٌ ب اذْكُرْ مقدرًا، ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ غيرَهما. الثالث: أنَّه منصوبٌ عطفًا على مفعول {فأَخَذْناه}.
الرابع: أنه معطوفٌ على مفعول {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم} وناسَبَ ذلك أنَّ قومَ نوح مُغْرقون من قبلُ. لكنْ يُشْكِلُ أنَّهم لم يَغْرَقوا في اليمِّ. وأصلُ العطفِ أَنْ يقتضيَ التشريكَ في المتعلَّقات.
الخامس: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ {فَأَخَذَتْهم الصاعقةُ}. وفيه إشكالٌ؛ لأنهم لم تأخُذْهم الصاعقةُ، وإنما أُهْلكوا بالغَرَقِ. إلاَّ أَنْ يُرادَ بالصاعقةِ الداهيةُ والنازلةُ العظيمة من أيِّ نوع كانت، فيَقْرُبُ ذلك. السادس: أنه معطوفٌ على محلِّ {وفي موسى}، نقله أبو البقاء وهو ضعيفٌ.
وأما الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ مقدَّرٌ أي: أهلَكْناهم. وقال أبو البقاء: والخبرُ ما بعدَه يعني مِنْ قوله: {إنهم كانوا قومًا فاسقين}. ولا يجوز أَنْ يكونَ مرادُه قوله: {من قبلُ}؛ إذ الظرفُ ناقصٌ فلا يُخبَرُ به.
{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)}.
قوله: {والسماء بَنَيْنَاهَا}: العامة على النصب على الاشتغالِ، وكذلك قوله: {والأرضَ فَرَشْناها} والتقديرُ: وبَنَيْنا السماءَ بَنَيْناها. وقال أبو البقاء: أي: ورفَعْنا السماءَ فقدَّر الناصبَ مِنْ غير لفظ الظاهر، وهذا إنما يُصار إليه عند تعذُّرِ التقديرِ الموافقِ لفظًا نحو: زيدًا مررت به، وزيدًا ضربْتُ غلامَه. وأمَّا في نحو زيدًا ضربتُه فلا يُقَدَّر: إلاَّ ضربْتُ زيدًا. وقرأ أبو السَّمَّال وابن مقسم برفعِهما على الابتداء، والخبرُ ما بعدهما. والنصبُ أرجحُ لعطفِ جملة الاشتغال على جملةٍ فعلية قبلَها.
قوله: {بِأَيْدٍ} يجوز أَنْ يتعلقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ. وفيها وجهان:
أحدهما: أنَّها حالٌ من فاعل {بَنَيْناها} أي: ملتبسين بقوةٍ.
والثاني: أنها حالٌ مِنْ مفعولِه أي: ملتبسةً بقوةٍ. ويجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ للسببِ أي: بسببِ قدرتِنا. ويجوزُ أَنْ تكون الباءُ مُعَدِّيَةً مجازًا، على أن تجعلَ الأَيْدَ كالآلةِ المبنيِّ بها كقولك: بَنَيْتُ بيتَك بالآجُرِّ.
قوله: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} يجوز أَنْ تكونَ الجملةُ حالًا مِنْ فاعل {بَنَيْناها}، ويجوزُ أَنْ تكونَ حالًا من مفعوله، ومفعول {مُوْسِعون} محذوفٌ أي: موسِعون بناءَها. ويجوزُ أَنْ لا يُقَدَّر له مفعولٌ؛ لأنَّ معناه لَقادِرون، مِنْ قولك: ما في وُسْعي كذا أي: ما في طاقتي وقوتي.
{وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48)}.
قوله: {فَنِعْمَ الماهدون}: المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ لفهمِ المعنى أي: نحن كقوله: {نِعْمَ العبد} [ص: 44].
{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)}.
قوله: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ}: يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب {خَلَقْنا} أي: خَلَقْنا مِنْ كلِّ شيء زوجَيْن، وأَنْ يتعلَّق بمحذوف على أنه حالٌ مِنْ {زوجَيْن}؛ لأنه في الأصل صفةٌ له؛ إذ التقديرُ: خَلَقْنا زوجَيْن كائنين من كلِّ شيءٍ، والأولُ أقوى في المعنى.
{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)}.
قوله: {كَذَلِكَ}: فيه وجهان، أظهرُهما: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: الأمرُ مثلُ ذلك. والإِشارةُ بـ(ذلك) قال الزمخشريُّ: إلى تكذيبهِم الرسولَ وتسميتِه ساحرًا ومجنونًا ثم فَسَّر ما أَجْمل بقوله: ما أَتى.
والثاني: أن الكاف في محلِّ نصبٍ نعتًا لمصدر محذوف، قاله مكي، ولم يُبَيِّنْ تقديرَه ولا يَصِحُّ أَنْ ينتصِبَ بما بعده لأجل {ما} النافية. وأمَّا المعنى فلا يمتنعُ، ولذلك قال الزمخشري: ولا يَصِحُّ أن تكون الكافُ منصوبةً ب {أتى} لأنَّ {ما} النافيةَ لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، ولو قيل: لم يأتِ لكان صحيحًا.
يعني لو أتى في موضع (ما) ب (لم) لجازَ أن تنتصِبَ الكافُ ب {أتى} لأن المعنى يَسُوغ عليه. والتقدير: كَذَّبَتْ قريشٌ تكذيبًا مثلَ تكذيب الأمم السابقة رسلَهم. ويَدُلُّ عليه قوله: {مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ} الآية.
قوله: {إِلاَّ قالواْ} الجملةُ القوليةُ في محلِّ نصب على الحال من {الذين مِن قَبْلِهِمْ}، و{من رسولٍ} فاعلُ {أتى} كأنه قيل: ما أتى الأوَّلين رسولٌ إلاَّ في حالِ قولهم: هو ساحرٌ. والضميرُ في به يعودُ على القول المدلولِ عليه ب قالوا أي: أتواصَى الأوَّلُوْن والآخرِون بهذا القول المتضمِّنِ لساحرٍ أو مجنونٍ، والاستفهامُ للتعجب.
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}.
قوله: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}: متعلقٌ ب {خَلَقْتُ}. واخْتُلف في الجن والإِنس: هل المرادُ بهم العمومُ، والمعنى: إلاَّ لأمْرِهم بالعبادة، ولِيقِرُّوا بها؟ وهذا منقول عن عليّ، أو يكون المعنى: ليطيعونِ وينقادوا لقضائي، فالمؤمنُ يفعل ذلك طَوْعًا والكافرُ كَرْهًا، أو يكون المعنى: إلاَّ مُعَدِّين للعبادة. ثم منهم منْ يتأتَّى منه ذلك، ومنهم مَنْ لا كقولك: هذا القلمُ بَرَيْتُه للكتابة، ثم قد تكتب به وقد لا تكتب، أو المرادُ بهم الخصوص. والمعنى: وما خلقتُ الجنَّ والإِنس المؤمنين. وقيل: الطائعين. والأولُ أحسن.
{مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)}.
قوله: {أَن يُطْعِمُونِ}: قيل: فيه حَذْفُ مضافٍ، أي: يُطعموا خَلْقي. وقيل: المعنى أَنْ ينفعونِ، فعبَّر ببعضِ وجوه الانتفاعات؛ لأنَّ عادةَ السادة أَنْ ينتفعوا بعبيدِهم، واللَّهُ سبحانه وتعالى مُسْتَغْنٍ عن ذلك.
{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)}.
قوله: {المتين}: العامَّةُ على رفعِه. وفيه أوجهٌ: إمَّا النعتُ للرزَّاق، وإمَّا النعتُ ل {ذو}، وإمَّا النعتُ لاسم {إنَّ} على الموضع، وهو مذهبُ الجَرْميِّ والفراءِ وغيرِهما، وإمَّا خبرٌ بعد خبرٍ، وإمَّا خبرُ مبتدأ مضمرٍ. وعلى كل تقدير فهو تأكيدٌ لأن {ذو القوة} يُفيد فائدتَه. وقرأ ابن محيصن {الرازق} كما قرأ {وَفِي السماء رازِقُكُمْ} كما تقدَّم. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش {المتينِ} بالجر فقيل: صفة للقوة، وإنما ذَكَّر وصفَها لكونِ تأنيثها غيرَ حقيقي. وقيل: لأنها في معنى الأَيْد. وقال ابن جني: هو خفضٌ على الجوارِ كقولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ يعني أنه صفةٌ للمرفوع، وإنما جُرَّ لَمَّا جاور مجرورًا. وهذا مرجوحٌ لإِمكانِ غيرِه، والجِوارُ لا يُصار إليه إلاَّ عند الحاجة.
{فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59)}.
قوله: {ذَنُوبًا}: الذَّنوبُ في الأصل: الدَّلْوُ المَلأَى ماءً. وفي الحديث: «فأتى بذَنوبٍ من ماءٍ» فإنْ لم تكن مَلأَى فهو دَلْوٌ، ثم عُبِّر به عن النصيب. قال علقمة:
وفي كلِّ حَيٍّ قد خبَطْتُ بنِعْمَةٍ ** فحُقَّ لشاسٍ مِنْ نَداكَ ذَنوبُ

ويُجْمع في القلةِ على: أَذْنِبة، وفي الكثرةِ على: ذَنائب. وقال المَلِكُ لَمَّا أُنْشد هذا البيتَ: نعم، وأَذْنِبَة. وقال الزمخشري: الذَّنوبُ: الدَّلْوُ العظيمةُ. وهذا تمثيلٌ، أصلُه في السُّقاةِ يَقْتسمون الماءَ، فيكونُ لهذا ذَنُوب، ولهذا ذَنوب. قال الراجز:
لنا ذَنوبٌ ولكم ذَنُوبُ ** فإنْ أَبَيْتُمْ فلنا القَليبُ

وقال الراغبُ: الذَّنوبُ: الدَّلْوُ الذي له ذَنَبٌ انتهى. فراعى الاشتقاقَ، والذَّنُوب أيضًا: الفرسُ الطويلُ الذَّنَبِ وهو صفةٌ على فَعُوْل، والذَّنُوب: لحمُ أسفلِ المَتْن. ويُقال: يومٌ ذَنوبٌ أي: طويلُ الشَّرِّ استعارةً من ذلك.
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)}.
قوله: {الذي يُوعَدُونَ}: حُذِفَ العائدُ لاستكمالِ شروطِه أي: يُوْعَدُونه. اهـ.